صحيفة بلوس / الجديدة
أنس ميسوم يناقش أطروحة دكتوراه حول دور القضاء الدستوري في ضبط توازن مالية الدولة ضمن لجنة أكاديمية مخضرمة تضم أساتذة كبار متخصصين في القانون الدستوري والعلوم السياسية والمالية العامة تناقش بحثا يجمع بين التحليل القانوني والقراءة الإحصائية للاجتهاد القضائي المغربي
الجديدة – صباح السبت 10 أكتوبر 2026، وعلى الساعة العاشرة، نوقشت أطروحة الدكتوراه التي أعدها الباحث أنس ميسوم حول موضوع: «دور القضاء الدستوري في ضبط توازن مالية الدولة وتجويد قواعد كتلتها الدستورية» وذلك أمام لجنة أكاديمية ضمت أساتذة جامعيين متخصصين في القانون الدستوري والعلوم القانونية والسياسية، في مناقشة علمية انصبت على أحد الموضوعات الدقيقة التي تقع عند تقاطع القانون الدستوري والمالية العامة وتطور الرقابة الدستورية بالمغرب.
وقد ترأس لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور عبد العزيز قراق*، بمشاركة الأساتذة الدكاترة أحمد بوجداد، وعبد الحميد بنخطاب، وعبد الفتاح بلخال، وعبد الكريم حيضرة، وعبد الغني عماري، فيما تولى الأستاذ الدكتور **محمد الزهراوي* الإشراف على الأطروحة، وتأتي هذه المناقشة في سياق الاهتمام المتزايد بالأسئلة الدستورية المرتبطة بالمالية العامة، وبالدور الذي يضطلع به القضاء الدستوري في تأطير القواعد المالية، وضبط حدود الاختصاص بين المؤسسات، وتحقيق الانسجام داخل البناء المعياري للدولة. ```
**
موضوع يتجاوز المعادلة المحاسبية للمالية العامة**```
تتناول الأطروحة إشكالية توازن مالية الدولة من زاوية تتجاوز المفهوم التقليدي الذي يحصره في العلاقة الحسابية بين الموارد والنفقات. فهي تبحث في موقع هذا التوازن داخل المنظومة الدستورية، وفي الكيفية التي يتدخل بها القاضي الدستوري لتأطير القواعد المالية وتأويلها، ومدى إسهام اجتهاده في تجويد القواعد التي تشكل الكتلة الدستورية المؤطرة للمالية العامة.
وتنبع أهمية الموضوع من أن المالية العامة لا تمثل مجالا تقنيا منفصلا عن الدستور، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بتوزيع السلطات، وبحدود الاختصاص التشريعي والتنظيمي، وبالعلاقة بين المؤسسات الدستورية، فضلا عن أثر الاختيارات المالية في انتظام عمل الدولة واستدامة التزاماتها.
ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى فهم طبيعة مساهمة القضاء الدستوري المغربي في ضبط التوازن المالي، من خلال تحليل قراراته واستجلاء منطق تعليلها، ورصد التحولات التي عرفها التعامل القضائي مع المسائل المالية عبر المراحل المختلفة لتطور الرقابة الدستورية بالمملكة.
من الغرفة الدستورية إلى المحكمة الدستورية
تتميز الأطروحة بامتدادها التاريخي، إذ تتتبع الاجتهاد القضائي عبر ثلاث محطات مؤسساتية رئيسية: الغرفة الدستورية، والمجلس الدستوري، ثم المحكمة الدستورية. ويتيح هذا المسار دراسة تطور وظيفة القاضي الدستوري في المجال المالي، وربط التحولات التي عرفها الاجتهاد بتغير السياقات الدستورية والمؤسساتية وطبيعة الرقابة الممارسة.
ولا تكتفي الدراسة بتحديد الحالات التي استُحضر فيها مفهوم توازن مالية الدولة، بل تتجه إلى تحليل كيفية توظيفه داخل التعليل القضائي، والسياقات التي يكتسب فيها أهمية معيارية، والحدود التي تؤطر أثره في مراقبة النصوص ذات الصلة بالمالية العامة.
وتخلص القراءة التي تقدمها الأطروحة إلى أن حضور التوازن المالي في الاجتهاد الدستوري المغربي لم يكن منتظما أو خطيا، ولم يتخذ صورة مبدأ شامل يستدعى بالدرجة نفسها في مختلف القضايا، بل ارتبط بطبيعة النص المعروض على الرقابة، وبالسياق المؤسساتي، وبنوع الاختصاص الذي تمارسه الهيئة الدستورية المعنية.
وتمنح هذه النتيجة البحث قيمة تفسيرية، لأنها لا تكتفي بوصف تطور الاجتهاد، وإنما تحاول فهم اختلاف وظائف المبدأ من مرحلة مؤسساتية إلى أخرى، وعلاقته بالتحولات التي عرفتها الرقابة الدستورية على المجال المالي.
مقاربة تجمع القانون والإحصاء والتحليل المقارن
من بين أبرز ملامح الأطروحة اعتمادها مقاربة منهجية تجمع بين التحليل القانوني والاجتهادي، والقراءة الإحصائية للقرارات، وتحليل الخطاب والتعليل القضائي، إلى جانب الاستفادة من التجارب الدستورية المقارنة. ولا يروم البعد الإحصائي اختزال الاجتهاد القضائي في الأرقام أو الاكتفاء بقياس تكرار المصطلحات المالية، بل يسعى إلى توفير أرضية موضوعية لرصد حضور المفاهيم وتطورها، وتحديد الأنماط التي تستحق التفسير القانوني والمؤسساتي.
ويتيح الجمع بين المعطيات الكمية والتحليل النوعي تجاوز القراءة المنفصلة للقرارات، والانتقال إلى استكشاف المسارات التي يتشكل من خلالها المفهوم داخل الممارسة القضائية. كما يساهم في اختبار الفرضيات على ضوء الرصيد الاجتهادي المدروس، بدلا من بناء الاستنتاجات على حالات محدودة أو أمثلة معزولة.
وتستفيد الدراسة، في بعدها المقارن، من تجارب دستورية دولية، من بينها التجارب الفرنسية والألمانية والأمريكية والإيطالية، بهدف فهم اختلاف الأسس الدستورية والقانونية والمؤسساتية التي تؤطر تدخل القضاء الدستوري في المالية العامة، واستكشاف ما تتيحه هذه التجارب من إمكانات لفهم خصوصية المسار المغربي.
القاضي الدستوري وحدود السلطة المالية
تفتح الأطروحة النقاش بشأن الدور الذي يمكن أن يضطلع به القاضي الدستوري في حماية التوازن المالي للدولة، دون تجاوز الحدود التي يرسمها الدستور لاختصاصاته أو الحلول محل المؤسسات السياسية في تحديد الاختيارات المالية
فالتدخل القضائي، وفق المقاربة التي تعتمدها الدراسة، لا يقتصر على تقرير مطابقة النصوص للدستور أو عدم مطابقتها، بل قد يمتد أثره إلى تحديد نطاق الاختصاصات، وضبط العلاقة بين المجال التشريعي والمجال التنظيمي، وتوجيه فهم القواعد ذات الأثر المالي من خلال تقنيات التأويل والتعليل.
غير أن هذه الوظيفة تظل محكومة بضرورة التوفيق بين متطلبات الانضباط المالي وباقي المبادئ الدستورية، وبالحفاظ على التوازن بين الرقابة القضائية والاختصاصات التي تعود إلى المؤسسات السياسية.
وتبرز أهمية هذا النقاش في ظل تعقد المالية العامة، وتعدد الالتزامات التي قد تتجاوز آثارها السنة المالية الواحدة، بما يجعل توازن مالية الدولة مفهوما يرتبط ببنية قانونية ومؤسساتية متكاملة، لا بمجرد معادلة محاسبية ظرفية.
مناقشة علمية تثمن الجهد وتفتح آفاقا جديدة
شكلت المناقشة مناسبة لتقييم المجهود العلمي المبذول في إنجاز الأطروحة، وما تطرحه من تحديات معرفية ومنهجية بالنظر إلى طبيعة الموضوع وتقاطعه مع حقول قانونية ومالية ومؤسساتية متعددة.
وقد نوه أعضاء اللجنة، في مجمل ملاحظاتهم، بما تضمنه العمل من رصيد علمي معتبر، وبالجهد المبذول في معالجة موضوع دقيق، وبالجرأة في اختيار إشكالية تتطلب الجمع بين معارف متخصصة ومقاربات منهجية متكاملة
كما تخللت المناقشة ملاحظات شكلية وتحريرية تروم تجويد العمل، إلى جانب اقتراح زوايا إضافية للنظر في موضوعه، ولا سيما ما يتصل بإمكان الاستفادة من العلوم السياسية لفهم موقع القاضي الدستوري ووظيفته داخل النسق المؤسساتي. وقد أتاح هذا النقاش توسيع أفق قراءة الاجتهاد الدستوري، والانتقال من تحليل القواعد والتعليلات إلى مساءلة صلاتها بتوزيع السلطة والعلاقات بين المؤسسات.
إضافة للبحث في دستورية المالية العامة
تتمثل القيمة العلمية للأطروحة في جمعها بين التتبع التاريخي للاجتهاد الدستوري، والتحليل القانوني للتعليل القضائي، والاستعانة بالقراءة الإحصائية والمقارنة لفهم تطور حضور توازن مالية الدولة ووظائفه. كما تطرح الدراسة أسئلة تتجاوز موضوعها المباشر، من قبيل كيفية تشكل المبادئ المالية داخل الاجتهاد الدستوري، والعوامل التي تؤثر في حضورها من مرحلة مؤسساتية إلى أخرى، ومدى قدرة القاضي الدستوري على الإسهام في تجويد القاعدة المالية وتعزيز انسجامها مع البناء الدستوري وآفاق ذلك في سؤال الأولوية الدستورية، ومن ثم، لا تقف أهمية هذا العمل عند دراسة مفهوم مالي محدد، بل تمتد إلى الإسهام في النقاش العلمي حول علاقة الدستور بالمالية العامة، وحدود الرقابة الدستورية، والتفاعل بين القواعد القانونية والاختيارات المؤسساتية
وتؤكد هذه الأسئلة أن البحث في توازن مالية الدولة يظل مجالا مفتوحا لتطوير الدراسات القانونية والسياسية، خصوصا حين يجمع بين التحليل الدقيق للاجتهاد القضائي والأدوات المنهجية التي تساعد على استكشاف تحولات الممارسة الدستورية وفهم دلالاتها.