مكتب الصويرة
في مهمة اعتيادية لإزالة الكثبان الرملية على جنبات سور أحد الشواطئ المغربية، كان حسن، عامل النظافة المعروف في المنطقة بانضباطه ودقته في العمل، على موعد مع مشهد ترك فيه أثرًا أعمق من مجرد غبار البحر وعرق الجبين.
يروي حسن لعموم المتتبعين لصفحته الشخصية عبر الفضاء الأزرق الفيسبوك، تفاصيل الواقعة التي أثارت بداخله خليطًا من الاستغراب والقلق، يقول حسن”بينما كنت أنظف الرمال المتراكمة على جانب السور، مرّت من أمامي فتاة يافعة برفقة سيدة مسنّة، تُشبه أن تكون والدتها، توقّفت حينها للحظة، ملامح الفتاة توحي بأنها في مطلع العشرينات، وقد كانت ترتدي ملابس جد لافتة للانتباه، بل فاضحة بمعنى الكلمة”.
يتابع حسن حديثه، ونظراته لا تزال مشدودة إلى تفاصيل الحدث كمن يستعرض مشهدًا لم يغادر ذاكرته: “سروال أسود ضيق، يكاد يلتصق بجلدها، وقميص قصير ضاق بما تحته، بدت كأنها نسخة مغربية من إحدى نجمات الشاشات العالمية، طويلة القامة، بارزة القسمات”.
لكن ما شد انتباهه أكثر لم يكن المظهر وحده، بل ما تلا ذلك من تصرفات، “بعد أن جلست الفتاة ووالدتها في مكان محروس، شرعت في تغيير ملابسها أمام الجميع، دون أدنى اكتراث، توقعت أن ترتدي ثوب سباحة مستورًا، لكن ما حصل فاق توقعي، ظهرت بلباس سباحة بالكاد يغطي الجبهة، فيما الخلفية كانت عارية تمامًا، ومرآها مكشوف للجميع”.
سألناه إن كان شعر بالدهشة أو الغضب، فأجاب: “لم أعد أندهش، نحن نعيش زمناً صارت فيه القيم مادة قديمة لا تهم الكثيرين، والحرية أصبحت تُفهم على طريقتهم الخاصة، لم أندهش من الفتاة بقدر ما توقعت ما سيلي ذلك”.
وبالفعل، يضيف حسن قائلاً: “بعد دقائق، ظهر شاب، التصق بجدار السور، لم يتحرك، عيناه مشدودتان إلى الفتاة وكأن لا شيء آخر في الكون يهمه، لم تردعه نظراتي ولا ضحكتي الساخرة، كان يعيش لحظة انتشاء مجانية على حساب العريّ المكشوف”.

تعكس شهادة حسن ملامح أزمة أعمق تعيشها بعض فئات المجتمع، تداخل مقلق بين مفاهيم الحرية والابتذال، تراجع منظومة القيم، وغزو ثقافة الاستهلاك البصري للفراغ الروحي والتربوي.

ما بين فتاة تتباهى بجسدها في العلن، وشاب يتلصص في صمت، يقف المجتمع عند مفترق طرق خطير، فهل نكتفي بمراقبة المشهد كما فعل حسن، أم آن الأوان لنسائل أنفسنا بصدق ماذا نفهم من “الحرية”، وما الذي بقي من “الحياء”؟


