قراءة في احتجاجات شباب “زد” وآفاق المطالب السياسية والاجتماعية

صحيفة بلوس
صحيفة بلوس - مدير الموقع

تشهد بلادنا في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات شبابية متصاعدة، تحمل في طياتها أبعادًا متعددة وتساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه التحركات، وإمكانية تحقيق مطالبها على أرض الواقع، بالإضافة إلى السيناريوهات المحتملة لتجاوز مرحلة التوتر والعنف بين المحتجين والقوات العمومية.

لا شك أن هذه الاحتجاجات شكّلت صدمة مفاجئة للدولة والحكومة، خاصة أنها سبقتها محاولات أمنية لاحتوائها عبر استدعاء بعض النشطاء والشخصيات المؤثرة، لكن ذلك لم يُثنِ الشباب عن التعبير عن مطالبهم، فانطلقت أولى الاحتجاجات من العاصمة الرباط، حيث رسمت ملامح حركة سلمية تطالب بتحسين أوضاع الصحة والتعليم، لتتوسع لاحقًا إلى مدن أخرى رفعت المطالب ذاتها.

للأسف، جاء رد الفعل الأمني عنيفًا في بدايته، تمثل في اعتقالات وتعاملات غير لائقة، هدفها الأساسي كبح الزخم الشعبي وتخويف المحتجين ،إلا أن هذا المنعطف الأمني أفضى إلى مرحلة أكثر خطورة، مع انخراط عناصر منحرفة في الاحتجاجات، ما أدى إلى وقوع أعمال شغب وسرقة وحرق واعتداءات.

ويمكن فهم هذه السلوكيات من منظور علم النفس الجماعي، حيث تُطلق الجماهير المكبوتات والعنف الكامن نتيجة القهر والتهميش.

في المقابل، شكّل تدخل وزير الداخلية علامة فارقة، عبر إصدار تعليمات تقضي بعدم التعرض للمظاهرات السلمية، ما أتاح العودة إلى المسار السلمي، وتطبيق القانون فقط على المتورطين في أعمال التخريب، ودخول مرحلة جديدة من الاحتجاجات المنظمة بتقديم باقات ورود لرجال الأمن الوطني تعبيرا عن تقدير مجهوداتهم الجبارة وتفانيهم ، كما رفعت المرحله شعارات أكثر وضوحًا وجرأة، منها المطالبة برحيل رئيس الحكومة، محاسبة المسؤولين، ومحاربة الفساد، خاصة بعد بروز معطيات تشير إلى تخصيص تجهيزات لمصحات خاصة على حساب المستشفيات العمومية، في مؤشر خطير على اختلال الأولويات واستغلال النفوذ.

ما هي السيناريوهات الممكنة لهذا الحراك الاجتماعي؟

الشباب المغربي اليوم يتمتع بوعي سياسي حاد، ويدرك طريقة تفكير من يديرون دواليب الدولة. التجربة المريرة التي عاشها الريف، من اعتقالات وأحكام قاسية، دون تحقيق أي من المطالب، خلقت شرخًا في الثقة بين الدولة والمواطن، هذا ما يفسر عفوية الاحتجاجات الحالية وغياب القيادات التنظيمية، خوفًا من الوقوع في فخ التفاوض مقابل امتيازات شخصية، أو من التهم الجاهزة مثل “التخابر مع جهات أجنبية” أو “محاولة زعزعة الاستقرار”، والتي قد تصل عقوبتها إلى عشرين سنة سجن ، كما أن هؤلاء الشباب يرفضون استمرار الوضع كما هو، ولا يقبلون أن يعيشوا كما عاش آباؤهم وأجدادهم، تحت مناخ الخوف والترهيب والقهر مقابل الصمت، وترك مافيات النهب تواصل التحكم في ثروات البلاد ومصير أجيالها الذين سئموا من العيش في ظل مؤسسات تفتقر للشفافية والمحاسبة، ويعون تمامًا أن الدولة تنهب وتبدد ثروات الشعب منذ عقود من الزمن، عبر الفساد، وتهريب الأموال إلى الخارج، وإغراق البلاد في الديون لصالح صندوق النقد الدولي، الذي يفرض إملاءات تضر بمستقبل الوطن وتزيد من هشاشة الفئات الفقيرة والطبقة الوسطى.

المقلق اليوم أن الدولة تُظهر محدودية في صبرها السياسي، مما يدفعها إلى الاستناد مجددًا على المقاربة الأمنية، وهي مقاربة -في ظل المعطيات الحالية- مرشحة للفشل، بل قد تُفضي إلى مزيد من التصعيد والمطالب الأكثر جذرية، بما يهدد الاستقرار العام، لذلك، فإن النهج العنيف في التعاطي مع هذه الحركة الاحتجاجية قد لا يكون مجديًا، خصوصًا أن الظرفية الاقتصادية والاجتماعية الحالية تختلف كثيرًا عن السنوات الماضية.

الحل الأنسب والأنجع هو الإصغاء لصوت الشارع، والاستجابة الفعلية للمطالب المشروعة، بدءًا بإقالة رئيس الحكومة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطبيق قانون الإثراء غير المشروع، واسترجاع الأموال العمومية المنهوبة لأن الوضع الراهن، رغم توتره، يُعد فرصة تاريخية لجميع الأطراف: الدولة بمؤسساتها، والحكومة بمكوناتها، والشعب بكل فئاته، لإعادة بناء الثقة، وتجاوز الأزمات، وتفادي الانزلاق نحو المجهول ،لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتجنّب منطق التصعيد من أي جهة كانت.

وللأسف، أجد نفسي مضطرًا للحديث عن “الدولة” و”الشعب” كطرفين متقابلين، وهو أمر لم يكن ليحدث لولا سياسات سابقة اختارت فيها الدولة أن تكون ضد المواطن، من خلال الغلاء، وقمع الاحتجاجات، وسلب الأراضي، والقرارات المجحفة في حق الفئات الضعيفة ، كما أن هذه الاحتجاجات التي يقودها حاليًا شباب “زد” قد تكون مجرد مقدمة، فإذا ما التحقت بها باقي الفئات المتضررة – من ضحايا نزع الأراضي السلالية، وسكان دور الصفيح، والمتضررين من لوبيات العقار والسياسات اللاشعبية – فإن البلاد قد تدخل نفقًا أكثر خطورة، وهو ما لا نتمناه.

هناك شبه إجماع شعبي اليوم على أن الحل يكمن في تدخل ملكي حكيم، من خلال الدفع نحو تفعيل الآليات الدستورية لإسقاط الحكومة عبر ملتمس الرقابة، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، وإعلان بداية مرحلة سياسية جديدة تقوم على المصالحة الحقيقية، بما في ذلك الإفراج عن المعتقلين السياسيين من احتجاجات الريف، والنقيب زيان، وغيرهم ممن أدوا ثمن مواقفهم.

، اختارت الدولة، بعد حراك 20 فبراير، طريقًا انتقاميًا كما أن بعض قرارات الدولة تميزت بإفقار الشعب، وفرض سياسات تقشفية مرهقة، ومحاصرة الحريات.

، بالإضافة إلى التضييق على المواطن الذي يعيش اليوم صراعًا يوميًا من أجل لقمة العيش، وغابت عن حياته أولويات أخرى كالتربية والتكوين، في ظل انتشار محتوى تافه في الفضاء الرقمي، غالبًا ما يُسوَّق له ضمنيًا بدعم غير مباشر من جهات يُفترض أن تحمي القيم المجتمعية.

إن المغرب اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة، والكرة في ملعب من يمتلك القرار ….

مشاركة هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *