عرفت جماعة فضالات بإقليم بنسليمان خلال انتخاب رئيس المجلس الجماعي وتشكيل مكتبه واقعة سياسية غير مألوفة، وُصفت من طرف متتبعين للشأن المحلي بأنها سابقة تنظيمية وأخلاقية تطرح أسئلة عميقة حول الانتماء الحزبي، وحدود التحالفات، ومصداقية العمل التمثيلي داخل المجالس المنتخبة.
النازلة تتعلق بـ المستشارة الجماعية فاطمة العماوي، المنتمية رسميًا إلى حزب التقدم والاشتراكية (حزب الكتاب – العلامة الحمراء)، والتي سلكت مسارًا سياسيًا مزدوجًا، بين التصويت الحزبي والانتماء الفعلي للأغلبية المسيرة، في مشهد أربك الرأي العام المحلي، ووضع القيادة الوطنية للحزب أمام امتحان صعب.
—
أولًا: كيف جرت وقائع التصويت؟
خلال جلسة انتخاب رئيس المجلس الجماعي، كان تمثيل حزب التقدم والاشتراكية داخل المجلس واضحًا، حيث:
حضر ثلاثة مستشارين جماعيين
وصوتوا جميعهم لصالح مرشح حزبهم
ويتعلق الأمر بكل من:
خالد السملالي
الطاهري سعيد
فاطمة العماوي
في حين قرر مستشار جماعي آخر من نفس الحزب عدم الحضور، وهو ما زاد من حساسية التوازنات داخل المجلس.
إلى حدود هذه المرحلة، بدا المشهد منسجمًا ظاهريًا مع منطق الانتماء الحزبي والانضباط التنظيمي.
—
ثانيًا: المفاجأة أثناء تشكيل المكتب المسير
التحول المفاجئ وقع خلال مرحلة تشكيل المكتب الجديد للمجلس الجماعي، حيث تم الإعلان عن التشكيلة التالية:
1. الرئيس: بدر المغراوي (حزب التجمع الوطني للأحرار)
2. النائب الأول: محمد العزوزي (الأحرار)
3. النائبة الثانية: نزهة الوافي (الأحرار)
4. النائب الثالث: محمد صدقي (الأحرار)
5. النائبة الرابعة: فاطمة العماوي (حزب التقدم والاشتراكية)
وهنا برز التناقض الصارخ:
مستشارة صوتت لحزب الكتاب، لكنها التحقت بأغلبية حزب الحمامة، وتولت منصبًا داخل مكتبه المسير.
—
ثالثًا: “إضاءة” خطيرة… تصريح يربك الجميع
في تصريح أثار الكثير من الجدل، أكدت المستشارة فاطمة العماوي:
> “أنها كانت ضمن جناح حزب التجمع الوطني للأحرار، وأن تصويتها لصالح حزب التقدم والاشتراكية كان فقط لتفادي أي إجراء تأديبي من طرف الحزب، ولو كان الجناح الآخر في حاجة لصوتها لفعلت ذلك”.
هذا التصريح، إن صح، لا يطرح فقط إشكالًا سياسيًا، بل يفتح بابًا واسعًا على أزمة أخلاقية وتنظيمية:
هل أصبح التصويت مجرد إجراء شكلي؟
وهل يمكن الجمع بين انتماء حزبي معلن، وولاء سياسي فعلي لحزب آخر؟
وأين يقف الناخب من كل هذا؟
—
رابعًا: ماذا يقول القانون التنظيمي للجماعات؟
وفق القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات:
لا يوجد نص قانوني يمنع مستشارًا جماعيًا من الانضمام لأغلبية مخالفة لانتمائه الحزبي.
تشكيل المكتب يتم عبر التصويت، وليس عبر الانتماء الحزبي الإجباري.
⚖️ قانونيًا: ما وقع لا يُعد خرقًا صريحًا.
❗ سياسيًا وأخلاقيًا: ما وقع يضرب مبدأ الوضوح والانسجام في العمق.
—
خامسًا: مسؤولية حزب التقدم والاشتراكية… والسؤال الكبير
هنا يبرز السؤال المحوري: ما رأي الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية في هذه النازلة؟
هل يعتبر الحزب ما جرى مجرد “تحالف ظرفي”؟
أم أن الأمر يرقى إلى إخلال واضح بالانضباط الحزبي؟
وهل سيتم تفعيل المساطر التأديبية المنصوص عليها في النظام الداخلي للحزب؟
فالأحزاب السياسية، وفق القانون التنظيمي رقم 29.11، مسؤولة عن تأطير منتخبيها، وضمان انسجام مواقفهم مع اختياراتها السياسية، وإلا تحولت إلى مجرد واجهات انتخابية بلا سلطة تنظيمية.
—
سادسًا: إشكال الأغلبية غير المكتملة
تشير المعطيات إلى أن جناح حزب التجمع الوطني للأحرار لا يزال في حاجة إلى مستشار جماعي إضافي لاستكمال انتخاب جميع اللجن الدائمة داخل المجلس، وهو ما يطرح عدة سيناريوهات:
استقطاب مستشار جديد من المعارضة
اللجوء إلى تحالفات هشة
أو الدخول في مرحلة توتر سياسي قد تُعطل عمل المجلس
—
خاتمة: نازلة قانونية… بأزمة ثقة سياسية
ما وقع بجماعة فضالات ليس مجرد تفصيل عابر، بل مؤشر خطير على:
هشاشة الانتماء الحزبي
تغليب الحسابات الشخصية على الإرادة الشعبية
وتآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة
فالقانون قد يسمح،
لكن السياسة تُحاسَب أخلاقيًا،
والناخب لا يصوت للتكتيك، بل للهوية والبرنامج.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل سيتدخل الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية لتوضيح الموقف؟
أم ستُطوى الصفحة بصمت، كما طُويت نوازل كثيرة من قبل؟
الجواب، هذه المرة، يهم الرأي العام أكثر مما يهم الأحزاب


