صحيفة بلوس / عبدالرحيم الكاعي
في توقيتٍ سياسي لا يحتمل التمويه، اختارت اعتماد الزاهيدي عضوة المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار و رئيسة مجلس عمالة الصخيرات تمارة الخروج ببرنامج “مثير للجدل” و المعروض على قناة ميدي 1 لتقدّم مرافعة دفاعية عن حكومة عزيز أخنوش، لكنها جاءت أقرب إلى بيان تبريري منه إلى قراءة سياسية مسؤولة. لم يكن الخطاب فقط باهتًا؛ بل بدت فيه محاولة واضحة لإعادة صياغة واقع مأزوم بلغة إنشائية تُنكر ما يعيشه المواطن يوميًا.
الحديث عن “منجزات” في ظل وضع اقتصادي واجتماعي ضاغط يبدو مفصولًا عن المعطيات الملموسة. فالقدرة الشرائية تراجعت بشكل واضح تحت وطأة ارتفاع الأسعار، خاصة في المواد الأساسية، بينما ظلت الأجور شبه جامدة. أما البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب، فلا تزال عنوانًا بارزًا لعجز السياسات العمومية عن تقديم حلول فعلية، رغم الوعود المتكررة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
في قطاعي الصحة والتعليم، الصورة لا تقل قتامة. اختلالات مزمنة، خدمات غير متكافئة، وإصلاحات تُعلن أكثر مما تُنجز. ورش الحماية الاجتماعية، رغم أهميته النظرية، لم يتحول بعد إلى أثر ملموس يخفف الضغط عن الفئات الهشة، ما يجعله أقرب إلى وعد مؤجل منه إلى إنجاز قائم.
الأكثر إثارة للانتباه هو الإصرار على تسويق هذه الحصيلة باعتبارها نجاحًا، بل واعتبار الحكومة نموذجًا لما سُمّي “حكومة التناوب الثانية”. هذا التوصيف، بدل أن يعكس تحولًا إيجابيًا، يكشف مفارقة صارخة: تناوب في الخطاب لا في النتائج، واستمرارية في الأزمات بدل القطيعة معها.
المشكلة لا تتوقف عند حدود التقييم، بل تمتد إلى غياب أي استعداد حقيقي للمساءلة. لا اعتراف بإخفاقات، لا تشخيص دقيق للأسباب، ولا مؤشرات على مراجعة جدية للمسار. بدل ذلك، يُقدَّم خطاب انتقائي يُضخّم ما يمكن تضخيمه، ويتجاهل ما لا يمكن تبريره.
حين يتحول الخطاب السياسي إلى أداة لتجميل الواقع بدل مواجهته، يفقد معناه، وتفقد معه المؤسسات جزءًا من مشروعيتها الرمزية. فالدفاع الأعمى لا يقنع، بل يعمّق الشك، ويُوسّع الفجوة بين المواطن والخطاب الرسمي.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن الرسالة التي تترسخ في وعي فئات واسعة ليست تلك التي تحاول هذه المرافعات تسويقها، بل نقيضها تمامًا: هناك واقع صعب لا يمكن تغطيته بالخطاب، وفجوة متسعة بين ما يُقال وما يُعاش. وهذه الفجوة، إن استمر تجاهلها، لن تبقى مجرد انطباع عابر، بل ستتحول إلى موقف سياسي حاسم يُعبَّر عنه حيث يكون له الأثر الأكبر: في صناديق الاقتراع.


