الأمن القانوني في مواجهة الطبيعة.. قراءة في تكامل النص والإجراء.

كاتب الموقع

صحيفة بلوس / يوسف

يشكل نظام تغطية عواقب الوقائع الكارثية في المغرب، المؤسس بموجب القانون رقم 110.14، تحولا جذريا في العقيدة التدبيرية للمخاطر الكبرى، حيث انتقل بالمملكة من منطق “الإحسان الاستعجالي” إلى منطق “الحق المؤسساتي” الممنهج. إن هذا القانون لم يأت فقط لإنشاء صندوق تضامن، بل جاء ليعيد صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في لحظات الهشاشة القصوى، وهو ما يفسر المزج الذكي بين النظام التأميني الإجباري الذي يستهدف حماية الطبقة المؤمنة عبر شركات التأمين، والنظام التضامني الذي يمد يد العون للفئات الهشة غير المؤمنة. ومع صدور القرار الوزاري رقم 2937.25 المتعلق بالنظام الداخلي لـ “لجنة تتبع الوقائع الكارثية”، نجد أن المشرع قد بث الروح في جسد هذا القانون، محولا إياه من نصوص جامدة إلى آلية عملياتية قادرة على الاستجابة اللحظية.

إن القراءة المتأنية في النظام الداخلي لهذه اللجنة تكشف عن وعي عميق بأهمية “الزمن” في تدبير الكوارث، حيث سمح القرار بالانعقاد الافتراضي واستخدام وسائل التواصل الحديثة لضمان سرعة الإعلان عن المناطق المنكوبة، وهي الخطوة القانونية التي يتوقف عليها سيل التعويضات بالكامل. وبتحليل دور “لجنة الخبرة” المنبثقة عنها، ندرك أن القرار الإداري الذي يعلن الكارثة ليس مجرد قرار سياسي، بل هو ثمرة مسار علمي وتقني دقيق يسعى إلى حصر الأضرار وتوجيه موارد “صندوق التضامن” إلى مستحقيها الفعليين تحت مظلة من السرية المهنية الصارمة التي فرضها القرار لحماية توازن السوق المالي والتأميني.

بهذا التكامل، نجد أنفسنا أمام بنية قانونية متماسكة تبدأ من الظهير الشريف وتنتهي بنظام داخلي تقني، حيث يضمن القانون 110.14 المبادئ العامة والموارد المالية، بينما يضمن القرار الوزاري الأخير سلامة “المحرك” الإجرائي وسرعته. إن نجاح هذه المنظومة في المستقبل لا يتوقف فقط على نصوصها، بل على مدى مرونة هذه اللجنة في تحويل التقارير التقنية إلى قرارات ملموسة تفضي إلى تقييد الضحايا في سجلات التعداد ضمن الآجال القانونية، مما يجسد المفهوم الحقيقي للأمن القانوني في مواجهة تقلبات الطبيعة والأفعال البشرية الجسيمة. إننا أمام نموذج مغربي رائد يسعى لتحويل الكارثة من “حدث مدمر” إلى “واقعة قانونية” مؤطرة، تدار بعقل بارد ومساطر منضبطة لضمان استمرارية الدولة وحماية كرامة المواطن.

مشاركة هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *