فاس: شركة في فائض ومدير في قفص الاتهام.. مفارقات تكشفها مرافعة الدفاع في ملف العمران جهة الشرق

المهدي أبو العلا

فاس — احتضنت غرفة الجنايات الاستئنافية – قسم الجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بفاس، أمس، جلسة المرافعة في الملف الجنائي رقم 3/2626/2026، المتعلق بمتابعة المدير العام السابق لشركة العمران جهة الشرق السيد زكرياء لزرق، رفقة عدد من المسؤولين السابقين بالشركة، بتهم اختلاس وتبديد أموال عمومية، وأخذ فائدة من مؤسسة، واستغلال نفوذ، وعرقلة حرية المنافسة، والتزوير في وثائق إدارية.
وقد عرفت الجلسة، التي تابعتها مختلف الأطراف، حضوراً لافتاً ومرافعةً قوية للدفاع تواصلت لساعات طويلة، حيث قدم دفاع المدير العام السابق الأستاذ ابن مسعود ياسين، المحامي بهيئة وجدة، منظومة ترافعية ثلاثية متكاملة، انطلقت من هدم الركيزة الإثباتية للمتابعة، مروراً بتفنيد الوقائع الموضوعية محوراً محوراً، وانتهاءً بإثبات انعدام الأركان القانونية للتهم المنسوبة.
أولاً: هدم تقرير المفتشية وكشف انتقائيته
في الجزء الأول من مرافعته، ركّز الأستاذ ابن مسعود على ما اعتبره «انعدام الحياد البنيوي» في تقرير المفتشية العامة لمجموعة العمران، الذي قام عليه أساس المتابعة. وأبرز الدفاع جملة من المعطيات الخطيرة في هذا الشأن:
● تعارض المصالح الذي يكتنف الجهة المنجزة للتقرير، باعتبارها في موقع المُفتِّش ومُمثل الطرف المدني والشاهد المحايد في آنٍ واحد، وهو ما يُشكّل خرقاً سافراً للمادة 354 من قانون المسطرة الجنائية.
● خرق مبدأ المواجهة المُكرَّس في الفصل 23 من الدستور المغربي، إذ لم يُمكَّن المتهمون من الاطلاع على التقرير ومناقشة معطياته قبل إنجازه في صيغته النهائية.
● الانتقائية المتعمدة في معالجة الأرقام، حيث أبرز الدفاع أن التقرير اعتمد رقم 612 مليون درهم كأساس للمتابعة، في حين أن الخبرة المحاسبية المضادة المُنجَزة من طرف خبيرين قضائيين محلَّفَين أثبتت أن هناك أخطاء بدائية في عمليات الجمع والطرح بفارق 90 مليون درهم وهو ما يُعدّ خطأً حسابياً جسيماً
إضافة إلى إغفال 270 مليون درهم من العمولات المسجلة في الحساب 7124، و250 مليون درهم من العجز الموروث قبل تاريخ تولّي المؤازر مهامه سنة 2016.
والأخطر من ذلك، حسب ما كشفه الدفاع، أن السيد محمد الشرقاوي، المفتش العام الذي أنجز التقرير، اعترف بنفسه أمام عدالة المحكمة في جلسة 29 أبريل 2026 بأن 32 مليار سنتيم من أصل 61 مليار سنتيم قد تمّ تبريرها بعد إنجاز التقرير، وهو ما اعتبره الدفاع «اعترافاً قضائياً صريحاً يهدم التقرير من أساسه».
ثانياً: الفائض الإيجابي للشركة يُسقط فرضية الضرر
وأمام دهشة الحضور، أبرز الأستاذ ابن مسعود ياسين معطىً اقتصادياً حاسماً: الخبرة المحاسبية المضادة المنجزة من خبيرين قضائيين محلَّفَين كشفت أن أصول شركة العمران جهة الشرق بلغت 6,864 مليار درهم، بينما خصومها لم تتجاوز 6,721 مليار درهم، أي بفائض إيجابي قدره 143 مليون درهم. وتساءل الدفاع، أمام هذا المعطى: «فأين الضرر الذي يُفترض في جريمة الاختلاس؟ وكيف تُتابع المؤازر بتبديد المال العام والشركة في حالة فائض مالي إيجابي؟»
ثالثاً: تفنيد الوقائع موضوع المتابعة محوراً محوراً
انتقل الدفاع بعد ذلك إلى الجزء الثاني من مرافعته، فعرض ستة محاور موضوعية، تنفي كل تهمة على حدة:
صفقات شركة SOZAMACO: أثبت الدفاع أن نسبة الصفقات الممنوحة لهذه الشركة لا تتجاوز 1,6 بالمائة من إجمالي العقود (حوالي 1300 عقد)، وهي نسبة لا تدلّ على أي تفضيل احتيالي، كما أن لجنة فتح الأظرفة هي المختصة بفحص الوثائق، لا المؤازر الذي يكتفي بالتوقيع النهائي.
اتفاقية الناظور الكبير: كشف الدفاع أن مشاريع تأهيل الناظور الكبير 2018-2020 تمّت بموجب اتفاقية إشراف منتدب موثقة، تمّ بموجبها تحويل 286,96 مليون درهم لحساب الشركة، وأُسندت بمقتضاها ست صفقات + سند طلب رقم 135/2020.
عمليات اقتناء العقارات: أثبت الدفاع أن عملية الدريوش تمت بـ قرض موثَّق بـ 35 مليون درهم من العمران هولدينغ بفائدة 4,5 بالمائة، وأن صفقة “رحو” تمت بـ 25 مليون درهم من أتعاب التدخل للشركة لسنة 2022 (والتي بلغت 36,84 مليون درهم)، وهي أموال خاصة للشركة لا أموال عمومية.
تسبيقات نادي مولودية وجدة: أبرز الدفاع أن التسبيقات الممنوحة لنادي مولودية وجدة تمت بطلب رسمي من السيد والي جهة الشرق، وأنه تمّ استرداد 13 مليون درهم من تجزئة السعادة، مع مداخيل مرتقبة من تجزئة المولودية ستبلغ 22 مليون درهم، وهو الثابت بوثائق رسمية صادرة من الجهة المشتكية.
صفقة تعاونية لبنة: كشف الدفاع عن شبهة تزوير معنوي في تقرير المراقبة رقم 5/2024، إذ أن المعدات تمّ تسليمها فعلياً بتاريخ 23/12/2022 بمحضر تسليم موقَّع من خمس جهات رسمية، بينها رئيس التعاونية المستفيدة بنفسه.
صفقات شركة BATIM CONCEPT TRAVAUX: نفى الدفاع أي استغلال لعلاقة المصاهرة، مستنداً إلى محاضر الاستماع للضابطة القضائية ذاتها، التي تضمّنت تصريحات ستة وعشرين شخصاً — بينهم عشرة من أطر الشركة الداخليين، وستة عشر من المقاولين والموثقين ومكاتب الدراسات — أكدوا جميعهم، دون استثناء، أن المؤازر لم يطلب منهم قط أي مبلغ مالي أو منفعة نظير صرف مستحقاتهم، ولم يُصدر أي تعليمات لتمكين مقاول معين من صفقة محددة.
رابعاً: انعدام الأركان القانونية للجرائم المنسوبة
في الجزء الثالث والأخير من مرافعته، تحت عنوان «نصوص بلا روح وفصول بلا أركان»، اعتمد الدفاع منهجية الهدم الشمولي للأركان عبر خمس ركائز قانونية:
الركيزة الأولى: أن شركة العمران جهة الشرق مقاولة عمومية تأخذ شكل شركة مساهمة وتخضع للقانون 17-95 المتعلق بشركات المساهمة، لا مؤسسة عمومية بمعنى الفصل 224 من القانون الجنائي، وبالتالي انتفاء صفة الموظف العمومي في حق المؤازر، وهو ركن جوهري في الفصول 241 و245 و250 من القانون الجنائي.
الركيزة الثانية: انعدام صفة المال العام في الوقائع المنسوبة، باعتبار أن عوائد الشركة هي عوائد تجارية لشركة مساهمة، لا أموال عمومية بالمعنى الجنائي الدقيق.
الركيزة الثالثة: انعدام الركن المادي للجرائم وانعدام الضرر، بدليل الفائض الإيجابي للشركة.
الركيزة الرابعة: انعدام القصد الجنائي، إذ تمّت جميع القرارات في إطار مؤسساتي شفاف تحت إشراف السلطة المحلية والقابضة المنتسبة.
الركيزة الخامسة: قصور التعليل وعدم تحديد المبالغ بدقة، مستشهداً بالقرار الحديث جداً لمحكمة النقض رقم 1693/1 المؤرخ في 17/12/2025 في قضية النقيب محمد زيان، الذي قضى بأنه في قضايا اختلاس المال العام، لا يكفي التعليل بإطناب، بل يتعين على المحكمة أن «تنطق برأي حاسم وواضح» بتحديد المبالغ المعنية بالاختلاس بدقة، تحت طائلة النقض والإبطال.
كما استحضر الدفاع، في معرض حديثه عن تناقض شهود الاتهام، قراراً بديعاً صدر عن نفس الهيأة (غرفة الجنايات الاستئنافية – قسم الجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بفاس) تحت عدد 19 في الملف رقم 54/2625/2024 بتاريخ 21/05/2025، الذي قضى بأن «تناقض تصريحات الشهود يجعلها متهاوية وساقطة عن درجة الاعتبار»، وأن «الأحكام تؤسَّس على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين».
خامساً: تطابق دفاع جميع المتهمين
وفي تطور لافت أكّد قوة الدفع المُثار في حق التقرير، اتفق دفاع جميع المتهمين في الملف على نفس النقطتين المحوريتين:
النقطة الأولى: التأكيد على انتقائية تقرير المفتشية العامة في معالجة الأرقام والوقائع، وأنه اعتمد المعطيات التي تخدم الاتهام، وتجاوز كل ما من شأنه تبرير الإجراءات المتخذة، مما يُفقده قيمته الإثباتية ويُوجب استبعاده من وسائل الإثبات.
النقطة الثانية: التشديد على أن القرارات موضوع المتابعة لم تكن قرارات انفرادية اتخذها المدير العام لوحده، بل كانت قرارات مؤسساتية تمت في إطار:
● المصادقة الجماعية للمجلس الإداري للشركة.
● الإشراف المباشر للسلطة المحلية ممثلة في والي الجهة.
● التنسيق مع الشركة الأم (العمران هولدينغ) في المعاملات المالية الكبرى.
● اللجان المختصة الداخلية، كلجنة فتح الأظرفة في الصفقات العمومية.
● المساطر الإدارية والمحاسبية المعمول بها في الشركة.

وقد اعتبر الدفاع أن هذا التطابق في المنحى الترافعي بين أطراف الدفاع المختلفة يُؤكد أن المتهمين كانوا منفذين لقرارات مؤسساتية جماعية، لا فاعلين أصليين لتصرفات انفرادية، الأمر الذي يهدم من جذوره فرضية الفعل الجنائي الفردي ويفرض التمييز بين المسؤولية المهنية والمسؤولية الجنائية، وفق ما استقرت عليه محكمة النقض في قرارها رقم 19 بتاريخ 06 يناير 2016.
الالتماس
اختتم الأستاذ ابن مسعود ياسين مرافعته بخاتمة بلاغية لافتة، مذكِّراً المحكمة بأن «للدفاع ما سعى ودافع وانبرى، وللمحكمة البدء والمنتهى»، وأن «القولَ الفصل للمحكمة، والعدلَ الأسمى الذي إليه المنتهى».
والتمس الدفاع من المحكمة الموقرة:
أساساً: إلغاء الحكم المستأنف والتصريح تصدياً وطبقاً للمادة 1 من قانون المسطرة الجنائية ببراءة المؤازر السيد زكرياء لزرق من جميع التهم المنسوبة إليه لانعدام الأدلة وعدم الاختصاص في الطلبات المدنية.
احتياطياً: إلغاء الحكم المستأنف والتصريح تصدياً بإجراء خبرة قضائية حسابية وتقنية تُعهد لخبير أو أكثر محلَّف مختص في التدقيق المحاسباتي على نفقة المؤازر، لحسم مسألة المبالغ المُدَّعى تبديدها بدقة، وتحديد الذمة المالية للشركة، ومعرفة ما إذا كان ثمة ضرر حقيقي أم لا، مع حفظ حق المؤازر في التعقيب عليها، مستنداً في ذلك إلى قرار محكمة النقض رقم 306/1 المؤرخ في 19 مارس 2008، الذي قضى صراحةً بأن «رفض إجراء الخبرة الحسابية في الاختلاس يُعرّض الحكم للنقض والإبطال».
وقد تم تأخير الملف لاستكمال باقي المرافعات لجلسة 3/6/2026 ،وتتجه الأنظار في الأوساط القانونية والاقتصادية بالجهة الشرقية إلى هذا الملف، الذي يُعدّ من أهم القضايا المالية المعروضة على القضاء الاستئنافي بفاس في السنوات الأخيرة، نظراً لحجم المبالغ موضوع المتابعة، ولكون المؤازر شغل منصباً حيوياً في قطاع السكن والإعمار بالجهة على مدى أكثر من ثماني سنوات.

مشاركة هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *