موكادور… حين اختارت القطط الصويرة وطناً، واختارها أهلها رفيقةً للمدينة.

هيئة التحرير

 

حين تمشي في أزقة الصويرة القديمة، لا تحتاج إلى كثير من الوقت حتى تكتشف أن للمدينة سكاناً آخرين لا يحملون جوازات سفر، ولا يسألون عن أصل أو فصل… إنهم القطط.
تجلس فوق عتبات الأبوب، تتجول قرب الميناء، تختبئ بين الأزقة البيضاء والزرقاء، وتراقب المارة بنظرات هادئة، وكأنها تعرف أسرار موكادور أكثر مما يعرفها كثير من زوارها.

والقطط في الصويرة ليست ظاهرة سياحية جديدة كما قد يعتقد البعض؛ فوجودها ينسجم مع طبيعة المدينة البحرية القديمة، حيث الميناء والأسواق ومخازن السلع والأسماك، وهي بيئة جعلت القطط جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية. أما اليوم، فقد أصبحت مشاهد إطعامها والعناية بها من الصور التي تميز المدينة في عيون زوارها.
من موكادور إلى الصويرة… مدينة تعودت على التعايش
موكادور القديمة لم تكن مدينة مغلقة على نفسها. فمنذ أن أصبحت الصويرة ميناءً تجارياً مهماً في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله خلال القرن الثامن عشر، تحولت إلى ملتقى للتجار والبحارة والحرفيين وأبناء ثقافات وديانات مختلفة.

وتؤكد منظمة اليونسكو أن المدينة عرفت منذ تأسيسها تعايش الأمازيغ والعرب والأفارقة والأوروبيين، إلى جانب المسلمين والمسيحيين واليهود، وهو ما جعلها نموذجاً استثنائياً لمدينة متعددة الثقافات.

وفي هذا المشهد المتنوع، كانت القطط حاضرة في الحياة اليومية للمدينة، لا باعتبارها “زينة” أو جزءاً من صورة سياحية، وإنما باعتبارها كائناً اعتاد السكان رؤيته في الأزقة والأسواق والميناء.
القطط… رفيقة البحارة وأهل الأزقة
في المدن البحرية، ترتبط القطط تاريخياً بالأسواق والمخازن والموانئ، حيث توفر لها حركة التجارة والأسماك والغذاء فرصة للعيش بالقرب من الإنسان.
وفي الصويرة، يبدو أن العلاقة أخذت بعداً أكثر دفئاً؛ فالزائر اليوم يستطيع أن يرى قططاً تتجول بالقرب من المطاعم والميناء والأزقة، ويحصل بعضها على الطعام من السكان والزوار.
وهكذا أصبحت القطة الصويرية جزءاً من المشهد: صياد يحمل سمكه، تاجر يفتح دكانه، سائح يتجول في المدينة القديمة، وقطة تجلس في هدوء وكأنها صاحبة المكان.

السكان القدامى… والسكان الجدد
ربما تغيرت الصويرة كثيراً عبر الزمن، وتغير معها سكانها وزوارها وأنماط الحياة فيها، لكن شيئاً واحداً ظل حاضراً: العلاقة الهادئة بين الإنسان والحيوان.
السكان القدامى عرفوا القطط كجزء من محيطهم اليومي، أما السكان الجدد والجيل الحالي فقد أضافوا إلى هذه العلاقة أشكالاً أخرى من الاهتمام، من إطعام القطط إلى محاولة علاج بعضها وحمايتها.

وهنا تكمن جمالية الصويرة: المدينة تغيرت، لكن روح الرفق لم تتغير.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن القطط لم تحتج إلى أن تكون نادرة أو فاخرة حتى تحظى بمكانتها؛ يكفي أنها كانت دائماً حاضرة في حياة الناس.
الصويرة… مدينة تحترم حتى كائناتها الصغيرة
حين نرى اليوم قطة مستلقية في ظل باب قديم، أو أخرى تتجول قرب الميناء، فإننا لا نرى مجرد حيوان شارد.
نحن نرى تفصيلاً صغيراً من ذاكرة مدينة كبيرة.
مدينة عاشت التجارة والبحر والهجرة والتعايش الثقافي، واحتفظت داخل أزقتها البيضاء والزرقاء بتفاصيل بسيطة تمنحها روحها الخاصة.
ولهذا ربما لا يكون من المبالغة القول:
إن القطط في الصويرة ليست مجرد قطط تعيش في المدينة… بل جزء من شخصية المدينة نفسها.
ومن موكادور القديمة إلى الصويرة الحديثة، تبقى الحكاية مفتوحة:
بحرٌ لا يهدأ، أزقةٌ تحفظ الذاكرة، صيادون يعودون من البحر، وسكان يواصلون إطعام قططٍ يبدو أنها اختارت منذ زمن بعيد أن تكون الصويرة وطنها.
ففي مدينةٍ تعايشت فيها ثقافات كثيرة، وجدت القطط أيضاً مكاناً لها… بين الإنسان والبحر والتاريخ.

مشاركة هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *