بقلم/ سيداتي بيدا
ليست الأزمات الحقيقية تلك التي تعلنها الحكومات في بلاغاتها، بل تلك التي يعلنها المواطن وهو يفتح صنبور منزله فلا يجد سوى الصمت. ففي مدينة العيون، لم يعد انقطاع الماء حادثًا عابرًا يمكن تبريره بخلل تقني أو ظرف استثنائي، بل أصبح واقعًا يوميًا يضع آلاف الأسر في مواجهة عطش قاسٍ تحت حرارة صيف لا يرحم.
المثير للقلق أن الأزمة لا تتمثل فقط في اضطراب التزود بالماء، وإنما في الصمت الذي يلفها. فكلما ارتفعت أصوات المواطنين، انخفض منسوب التوضيح الرسمي، وكأن تجاهل المعاناة أصبح سياسة لإدارة الغضب بدل معالجة أسبابه. غير أن الأزمات لا تُدفن بالصمت، بل تتفاقم عندما يغيب التواصل وتغيب معه المحاسبة.
كيف يُعقل أن يعيش المواطن حالة ترقب دائمة لوصول الماء، بينما تُرفع الشعارات عن التنمية وجودة الخدمات؟ وكيف يمكن الحديث عن مشاريع كبرى في مدينة يجد فيها بعض السكان أنفسهم مضطرين لانتظار صهاريج المياه أو البحث عن حلول بديلة لتأمين أبسط متطلبات الحياة؟
إن الماء ليس خدمة كمالية يمكن تأجيلها أو التقليل من أهميتها، بل هو حق إنساني أصيل، وأساس للاستقرار الصحي والاجتماعي. وكل اختلال يمس هذا الحق يفرض على الجهات المسؤولة تقديم تفسير واضح، وخطة دقيقة، وجدولًا زمنيًا لإنهاء الأزمة، لا الاكتفاء بوعود عامة لا تُطفئ عطشًا ولا تُعيد ثقة مفقودة.
إن صور الأطفال والنساء وكبار السن وهم يواجهون لهيب الصيف في انتظار قطرة ماء ليست مجرد مشاهد عابرة، بل شهادة قاسية على أزمة تستحق التعامل معها بمنطق المسؤولية لا بمنطق التبرير. فالمواطن لا ينتظر خطابات مطولة، وإنما ينتظر حلولًا ملموسة يشعر بها داخل منزله.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح تحقيق إداري وتقني مستقل يحدد أسباب هذه الاختلالات، ويرتب المسؤوليات، ويُطلع الرأي العام على حقيقة ما يجري، مع إطلاق برنامج استعجالي يضمن استمرارية التزود بالماء ويحمي المواطنين من تكرار هذا المشهد كل صيف.
فالمدن لا تُقاس بعدد الأوراش المفتوحة ولا بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بقدرتها على حماية أبسط حقوق سكانها. وعندما تتحول قطرة الماء إلى أمنية يومية، فإن الأزمة لم تعد أزمة شبكة أو أنابيب، بل أزمة تدبير وثقة ومسؤولية.


