بقلم يوسف الظريف

مع اقتراب المغرب من الاستحقاقات الجماعية المرتقبة سنة 2027، يعود النقاش حول الانتخابات المحلية إلى الواجهة، ليس باعتبارها مجرد محطة انتخابية دورية لتجديد أعضاء المجالس الجماعية، وإنما باعتبارها مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق: ما الذي نريده فعلا من الديمقراطية المحلية؟

بعد سنوات من التجربة، لم يعد كافيا أن نسأل كيف تنظم الانتخابات، ومن يحق له الترشح، وكيف توزع المقاعد، ومتى تجرى عملية الاقتراع. السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: هل استطاعت المنظومة الانتخابية والمؤسساتية أن تجعل من الجماعة الترابية فضاء حقيقيا لممارسة الديمقراطية، أم أن الانتخابات ما زالت في كثير من الأحيان تنتهي عند حدود إعلان النتائج وتشكيل المكاتب؟

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحا ونحن نقترب من انتخابات جديدة. من 2021 إلى 2027... ماذا تغير؟

ينص القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية على أن أعضاء مجالس الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات والمقاطعات ينتخبون لمدة ست سنوات، فيما يحدد تاريخ الاقتراع وآجال الترشيح والحملة الانتخابية بمرسوم.

وبذلك، فإن الاستحقاق المقبل لا ينبغي أن ينظر إليه فقط باعتباره موعدا قانونيا لتجديد المؤسسات المنتخبة، بل باعتباره لحظة مناسبة لتقييم حصيلة دورة كاملة من التدبير المحلي.

وهنا تظهر المفارقة: الانتخابات المقبلة ستجرى في موعدها تقريبا، لكن هل ستأتي معها أسئلة جديدة؟ لأن المشكل لا يكمن في احترام الدورية الانتخابية وحدها، وإنما في مضمون التنافس السياسي الذي يسبقها، وفي طبيعة النخب التي ستفرزها، وفي قدرتها على تقديم إجابات عملية عن مشاكل المدن والقرى والجماعات.

في هذا الباب فالقانون واضح... لكن السياسة أكثر تعقيدا. فمن الناحية القانونية، وضع المشرع المغربي منظومة متكاملة لتنظيم الانتخابات الجماعية، تشمل شروط الترشيح، والاقتراع، والحملة الانتخابية، والطعون، والجزاءات، وغيرها من المقتضيات. كما أن انتخابات 2021 جاءت في سياق تعديلات مهمة شملت القانون التنظيمي رقم 59.11، ومن بين القضايا التي مستها التعديلات نمط الاقتراع والقاسم الانتخابي وتمثيلية النساء وبعض الجوانب المتعلقة بتمويل الأحزاب والانتخابات. غير أن القانون، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده أن ينتج ممارسة سياسية ديمقراطية. فالنص القانوني يستطيع أن ينظم طريقة الاقتراع، لكنه لا يستطيع أن يجبر الأحزاب على تقديم برامج محلية ذات مضمون. ويستطيع أن يحدد شروط الترشيح، لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن أن تكون المنافسة بين المرشحين قائمة على الكفاءة والتصورات والبرامج. ويستطيع أن يعاقب على بعض المخالفات، لكنه لا يستطيع كذلك أن يلغي من تلقاء نفسه تأثير المال أو العلاقات الاجتماعية أو الولاءات المحلية في السلوك الانتخابي. وهنا تحديدا تكمن المسافة بين شرعية الانتخابات قانونيا وجودة الديمقراطية سياسيا.

وبناء على هذه المعطيات يمكن طرح هذا الاشكال بالنسبة لانتخابات 2027... هل ستظل البرامج غائبة؟

مع اقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة، سيكون من الطبيعي أن تبدأ الأحزاب السياسية في إعادة ترتيب أوراقها، وأن تبدأ النقاشات حول الترشيحات والتحالفات واللوائح. لكن المواطن ينبغي أن يطرح سؤالا بسيطا: أين هو البرنامج المحلي؟

ما الذي سيقترحه المرشح بخصوص النقل؟

ما تصوره للنظافة؟

كيف سيتعامل مع التعمير؟

ماذا عن الأسواق والمرافق العمومية والمساحات الخضراء؟

كيف سيتم تحسين علاقة الإدارة الجماعية بالمواطن؟

وماذا عن الشفافية في الصفقات والتدبير المالي؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من أسماء المرشحين أنفسهم.

فالديمقراطية المحلية لا يمكن أن تختزل في البحث عن الشخص الأكثر حضورا في الحي أو الأكثر امتدادا في شبكة العلاقات الاجتماعية، وإنما يفترض أن تكون منافسة بين مشاريع لتدبير المجال العام.ة إذا تحولت الانتخابات مرة أخرى إلى منافسة حول الأشخاص بدل البرامج، فإننا نكون أمام انتخابات منتظمة من الناحية القانونية، لكننا نحتاج إلى نقاش أعمق حول مضمونها السياسي.

التحالفات... عندما يتغير المشهد بعد إعلان النتائج

من خصوصيات الانتخابات الجماعية أن عملية الاقتراع لا تنهي المعركة السياسية، بل قد تكون بداية مرحلة أخرى. فالنتائج تفتح الباب أمام تشكيل الأغلبية وانتخاب الرؤساء وتوزيع المسؤوليات داخل المجالس. كباحث في العلوم القانونية، فمن منظور القانون والعلوم السياسية، لا يوجد ما يجعل التحالفات السياسية في حد ذاتها أمرا غير طبيعي، فالتحالف يمكن أن يكون ضرورة مؤسساتية عندما لا تنتج الانتخابات أغلبية واضحة. لكن الإشكال يظهر عندما يصبح الناخب غير قادر على فهم العلاقة بين الصوت الذي منحه للائحة أو الحزب وبين التحالف الذي يتشكل لاحقا. لذلك، سيكون من المفيد أن يتحول النقاش في أفق 2027 إلى سؤال أكثر وضوحا حول التحالفات المحلية وبرامجها والتزاماتها أمام المواطنين. فليس المطلوب منع التحالف، وإنما جعله أكثر شفافية وأكثر ارتباطا بالبرامج.

القاسم الانتخابي... التقنية التي تخفي خلفها سؤالا سياسيا

منذ تعديل المنظومة الانتخابية سنة 2021، أصبح القاسم الانتخابي من أكثر المواضيع إثارة للنقاش السياسي والقانوني. وبغض النظر عن المواقف المختلفة منه، فإن القضية الأساسية لا ينبغي أن تتحول إلى نقاش تقني معزول عن سؤال التمثيلية. فالأنظمة الانتخابية ليست مجرد عمليات حسابية لتوزيع المقاعد، إنها في النهاية آليات لتحويل أصوات المواطنين إلى تمثيلية داخل المؤسسات. ولهذا فإن أي تعديل في نمط الاقتراع أو طريقة احتساب المقاعد ينبغي أن يناقش في ضوء سؤالين أساسيين:

هل يضمن تمثيلية عادلة؟

وهل يساعد على إنتاج مجالس قادرة على العمل واتخاذ القرار؟

وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية: فالنظام الانتخابي مطالب في الوقت نفسه بتمثيل التنوع السياسي والاجتماعي، وبإنتاج مؤسسات قادرة على تشكيل أغلبية وممارسة الاختصاصات المنوطة بها.

المال الانتخابي... الاختبار الأصعب

من الملفات التي ينبغي أن تحضر بقوة في النقاش العمومي السابق لانتخابات 2027 قضية المال الانتخابي. فوجود قواعد قانونية لتنظيم وتمويل الحملات الانتخابية لا يعني انتهاء المشكلة؛ بل إن فعالية القواعد ترتبط بمدى تطبيقها والرقابة عليها. وقد شهدت السنوات الماضية استمرار إجراءات مرتبطة بحسابات الحملات الانتخابية لمنتخبي استحقاقات 2021، وهو ما يؤكد أن الانتخابات لا تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، بل تستمر قانونيا من خلال مراقبة الالتزامات المالية والجزاءات عند الاقتضاء. لذلك فإن نزاهة انتخابات 2027 لن تقاس فقط بسلامة يوم الاقتراع، وإنما أيضا بمدى شفافية التمويل، واحترام قواعد الحملة، وفعالية آليات الرقابة.

من ينتخب من؟

ربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق أن يطرح بقوة أكبر.

هل ينتخب المواطن مرشحا لأنه قدم مشروعا واضحا للجماعة؟

أم لأنه ينتمي إلى عائلة معروفة؟

أم لأنه يملك شبكة علاقات واسعة؟

أم لأن الحزب الذي ينتمي إليه يمتلك حضورا سياسيا؟

لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل الجماعات، لكن طرح السؤال ضروري. فالانتخابات المحلية هي مرآة للمجتمع، ولذلك فإن إصلاحها لا يمكن أن يتم فقط من خلال تغيير النصوص القانونية. هناك حاجة أيضا إلى تطوير الثقافة السياسية المحلية، وتقوية دور الأحزاب في التأطير، وتشجيع المواطنين على تقييم المنتخبين بناء على الأداء لا على الوعود.

ست سنوات من التدبير... يجب أن تصبح ست سنوات من المحاسبة

إذا كان الانتداب الجماعي يمتد ست سنوات، فمن الطبيعي أن يكون المواطن في نهاية الولاية قادرا على طرح سؤال بسيط على المنتخب:

ماذا أنجزت؟

وهذا السؤال هو جوهر الديمقراطية. فلا معنى لأن نطالب المواطن بالمشاركة يوم الاقتراع، ثم نغيب عنه طوال مدة الانتداب. فالديمقراطية المحلية الحقيقية تقتضي أن تكون هناك علاقة مستمرة بين المنتخب والناخب، وأن يكون المجلس الجماعي فضاء للنقاش العمومي، وأن تكون المعلومة المتعلقة بالتدبير المحلي متاحة للمواطن، وأن يصبح تقييم الأداء جزء من الحياة السياسية اليومية.

انتخابات 2027 ليست مجرد موعد انتخابي

لهذا، فإن الاستحقاقات الجماعية المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لطرح مراجعة أوسع لتجربة الديمقراطية المحلية. ليس المقصود بالضرورة تغيير كل شيء، ولا التعامل مع التجربة السابقة باعتبارها فشلا مطلقا.

المطلوب هو شيء أكثر عقلانية:أن نقيس ما تحقق، وأن نحدد ما لم يتحقق، وأن نفهم لماذا، ثم نبحث عن الإصلاحات الممكنة. فالمغرب راكم منذ سنوات تجربة مهمة في مجال اللامركزية والديمقراطية المحلية، ووضع إطارا قانونيا ومؤسساتيا متقدما نسبيا في هذا المجال. لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من النصوص إلى الممارسة.

خلاصة القول الانتخابات التي نحتاجها ليست فقط انتخابات نزيهة... بل انتخابات ذات معنى فمع اقتراب انتخابات 2027، سيكون النقاش العمومي معرضا لأن ينحصر مرة أخرى في أسماء المرشحين، وترتيب اللوائح، والتحالفات، وحسابات المقاعد. لكن المواطن يستحق نقاشا أكبر.

يستحق أن يعرف ماذا سيفعل بالمدينة أو القرية خلال السنوات الست المقبلة.

ويستحق أن يعرف كيف ستدبر الموارد العمومية.

ويستحق أن يعرف ما هي صلاحيات المجلس وما هي حدود مسؤولياته.

ويستحق أن يعرف، قبل أن يصوت، ماذا يقترح المرشحون، وبعد أن يصوت، ماذا أنجز المنتخبون.

إن جوهر المسألة ليس في أن ننظم الانتخابات فقط، فالقانون نظمها بالفعل. المسألة هي أن نجعل من الانتخابات وسيلة لإنتاج تمثيلية سياسية محلية مسؤولة، ومن المجلس الجماعي مؤسسة للمساءلة والتدبير، ومن المواطن فاعلا في الديمقراطية وليس مجرد ناخب يظهر مرة كل ست سنوات. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ونحن على أبواب استحقاقات 2027 ليس: من سيفوز بالمقعد؟بل ماذا سيفعل من يفوز به؟ وهنا يبدأ النقاش الحقيقي حول الديمقراطية المحلية.