همس داخل قاعة المحكمة وترقب وانتظار …برهة انتصب رجل ثخن صارم الملاحم وصاح بأعلى صوته : محكمة …خيم صمت رهيب داخل القاعة وانحبست الانفاس واستوت الأجساد على الكراسي الخشبية ….ودخلت هيئة المحكمة من قضاة ومستشارين وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط …واخذوا أماكنهم على كراسي وثيرة مريحة ….وافتتح رئيس الهيئة بداية الجلسة بعدما جال على الجلسة بناظره يتفقد هياة الدفاع والمحامين والمرتفقين داخل القاعة …ثم نظر إلى ركام الملفات المعروضة أمامه، ومد يده إلى الملف الأول وفتحه وتفحصه ، وبعد ان ذكر بالملف رقم ….نادى على الاظناء والمتهمين كل واحد باسمه ، ودخلوا مطاطئى الرؤوس ومنهم من يلفت إلى القاعة لعله يرى قريبا او صديقا …محروسين من طرف رجال الأمن…واصطف الجميع أمام الهيئة القضائية …وبدأ رئيس الجلسة يذكرهم بأسمائهم من جديد ….والتهم المنسوبة إليهم…وفي غفلة من الجميع تسللت العدالة إلى القاعة دون أن يراها من الحراس والقضاة والمتهمين….وانتصبت فوق ميزان العدالة الذي احتل حيزا داخل القاعة وفوق هيئة الحكم مباشرة ، وبدأت تتأمل الآية الكريمة التي كتبت بين كفتي الميزان : ( واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ….) وبدأت تراقب اطوار المحاكمة وتتابع مراحلها وخطواتها ومسلسل س وج بين رئيس هيئة الحكم والمتهمين من أجل استجلاء الحقيقة ….في تنازع صارخ بين نزعتي الخير والشر التي تستبطنهما الطبيعة البشرية …ان حضور أفعال الخير والشر في السلوكات البشرية ومنذ القديم هو ما دفع الحكماء والمفكرون والمصلحون إلى وضع قوانين رادعة لافعال الشر لتحقيق عدالة نسبية…
بين الحق الطبيعي والحق الوضعي الذي يمثله القانون الوضعي المدني …وانتصبت المحاكم من أجل صيانة الحقوق وضمان حياة سلمية للافراد والجماعات…ولكن هناك يطرح سؤال عويص …هل كل قانون هو حق ؟ وهل القانون يضمن الحقوق؟ ومتى يكون القانون عادلا؟ هل في تطبيقه السليم ، ام في اكراهاته الزجرية والعقابية ؟وما علاقة القانون بالحق والواجب ؟ والعدالة والديمقراطية ؟
هذه اشكاليات عويصة لأنها مرتبطة بالطبيعة البشرية من جهة وبمستوى تطبيق القانون بشكل عادل على الجميع انسجاما مع القاعدة القانونية : كل الناس متساوون أمام القانون …ان جدلية الخير والشر …والحق والقانون….واشكالية القانون والعدالة ….والجزاء والعقاب ….يقاس بمدى تطور الوعي البشري والتمدن الحضري .. حيث لا ينفع الزجر العقابي وحده …لذلك نرى منظومة العدالة وقيمها تبقى نسبية …وميزان مختل في اغلب الاحيان …
نعود إلى قاعة المحاكمة بعدما جرتنا قيمة العدالة إلى متاهاتها وحبائلها….تأملت العدالة اطوار المحاكمة وتابعت أسئلة هيئة الحكم الموجهة إلى الاظناء والمتهمين….ونكران المتهمين لافعالهم الاجرامية وتشبثهم ببرائتهم ومعانقتهم للحرية…كما اصغت العدالة لمرافعات هيئة الدفاع ….والمحامون يدلون بحججهم ووثائهم وتوابث الاشهاد من أجل انتزاع براءة موكليهم….احتد النقاش وحمي الوطيس بين هيئة الدفاع وهيئة الحكم ….والعدالة تترقب من عل وبحضور مستتر ومنفصل عن عدالة هيئة الحكم…وبحياد كبير ودون تميز …إلى ان نطق رئيس الجلسة وقال رفعت الجلسة للمداولة
وجلست العدالة تترقب الحكم ….وتتساءل هل ينصف الحكم المتهمين …أم ان قيمة الإنصاف لا تحققها عدالة الارض ….وعادت هيئة المحكمة إلى قاعة المحكمة بعد أن بسط الأمن سيطرته على جميع المنافذ …ونطقت بالحكم بسرعة وغادرت وعم الوجوم الوجوه وانقلبت القاعة إلى صياح وبكاء وعويل وغادرت العدالة القاعة بهدوء ودون أن يشعر بوجودها اي احد كشبح يلوح في السماء ….لأن لا عدالة في الأرض فكل شئ نسبي ….العدالة المطلقة في السماء .
الاستاذ / محمد الفكاك (وجه مسافر)


