تنبه ملك البلاد مبكرًا إلى خطورة فقدان المواطنين للثقة في العمل السياسي وفي الفاعلين السياسيين، وهو ما دفعه إلى تكليف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بمهمة استراتيجية، بدل رئيس الحكومة، من أجل بلورة “الوصفة السحرية” لإعادة الروح إلى الحياة السياسية، واسترجاع ثقة المغاربة في المؤسسات الحزبية والانتخابية.
فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة أن غالبية المواطنين لا يبدون أي رغبة في التصويت خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بل إنهم رفضوا بشكل واضح منح ثقتهم لأي من زعماء الأحزاب الأربعة الكبرى المرشحة لقيادة الحكومة: عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار)، عبد الإله بنكيران (العدالة والتنمية)، نزار بركة (الاستقلال)، أو فاطمة الزهراء المنصوري (الأصالة والمعاصرة).
هذا الرفض العارم يعكس أزمة ثقة عميقة، نابعة من خيبات متراكمة بسبب فشل أغلب السياسيين في تدبير الشأن العام، وعجزهم عن الاستجابة لتطلعات المواطنين في العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وتحسين ظروف العيش.
لكن، هل هذه مجرد أزمة عابرة؟ أم أنها قرار نهائي من طرف المواطنين؟
الواقع أن الأمل لا يزال قائمًا. فخطاب الملك الأخير وجّه رسالة واضحة إلى وزارة الداخلية من أجل التحرك العاجل لتصحيح المسار السياسي. وقد بدأ الوزير لفتيت بالفعل عقد اجتماعات مكثفة مع قيادات الأحزاب السياسية في أفق بلورة تصور جديد يعيد للمواطنين إيمانهم بالعملية السياسية.
الملك اختار وزير الداخلية لهذه المهمة، لا رئيس الحكومة، لاعتبارات دقيقة: أولاً، لأن لفتيت شخصية مستقلة لا تنتمي لأي حزب، وثانيًا، لتجربته الواسعة في التسيير، وكفاءته الإدارية والسياسية التي راكمها عبر سنوات، وثالثًا، لأنه نجح في تنظيم محطات انتخابية سابقة في ظروف صعبة.
ووسط هذا المشهد المتشائم، برز اسم الدكتورة نبيلة منيب كأحد الأسماء التي ما زالت تحظى باهتمام فئات من المواطنين، حيث عبّر عدد من المستجوبين عن رغبتهم في أن تترأس الحكومة المقبلة، تقديرًا لمواقفها الصريحة ومصداقيتها السياسية.
هذا التوجه، وإن كان محدودًا، فإنه يشكل بارقة أمل يمكن البناء عليها، خاصة إذا أحسنت وزارة الداخلية والأحزاب استثماره. فنبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، تمثل في نظر البعض بديلاً نزيهًا ومختلفًا، مما يفتح الباب أمام إمكانية إعادة تشكيل تحالفات حزبية تنسجم مع نبض الشارع وتقدم وجوهًا جديدة ذات مصداقية.
لقد تسببت الطبقة السياسية، عبر قراراتها الفاشلة وتدبيرها الضعيف، في تعميق الجراح الاجتماعية للمغاربة. فضائح بعض السياسيين وسوء تدبير آخرين دفعت بالكثيرين إلى العزوف والكفر بالسياسة. تعليقات المواطنين في مواقع التواصل الاجتماعي تعبّر بوضوح عن هذا السخط، من قبيل:
> “اللهم أبعدهم عنا جميعًا، فهم يتشابهون في النتائج ويختلفون فقط في الأسلوب، أما الفريسة فهي دائمًا المواطن.”
> “ولاد عبد الواحد كاع واحد… عصابة ترحل لتأتي أخرى. ما لم تربط المسؤولية بالمحاسبة، ستبقى دار لقمان على حالها.”
> “لا أحد يصلح لرئاسة الحكومة… أتمنى أن يكون معتوق أو السيدة منيب، لأن عندهم المصداقية وحب الوطن.”
اليوم، الكرة في ملعب الأحزاب السياسية، التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة في الأزمة الحالية، وتراجع اختياراتها وممارساتها، وتستعيد ثقة الشعب.
كما أن وزارة الداخلية تبدو جادة في تحمّل هذه المهمة الثقيلة، مستفيدة من الدعم الملكي، ومن موقعها المؤسساتي المحايد.
الرهان كبير، والتحدي أصعب، لكن الفرصة ما تزال قائمة لإعادة رسم المشهد السياسي بالمغرب، بما يليق بتطلعات الشعب المغربي.


