كلمة الأستاذ حسن طارق، وسيط المملكة، في المنتدى الجهوي الأول للحكامة المرفقية حول موضوع: “الشباب شريك استراتيجي في الارتقاء بالخدمات الارتفاقية في مجال الصحة العمومية”، المنظم من قبل مندوبية مؤسسة وسيط المملكة بجهة فاس مكناس بشراكة مع المديرية الجهوية لقطاع الشباب بالجهة.

المهدي أبو العلا

ينعقد هذا اللقاء في ظل ما تعرفه بلادنا من مشاعر الارتياح لمضمون القرار الأخير لمجلس الأمن، الذي حدد المبادئ والمرتكزات الكفيلة بإيجاد حل سياسي نهائي للنزاع المُفتعل، في إطار الحقوق المشروعة لبلادنا وترسيخاً لمغربية الصحراء وللسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.
مَشاعر تَتَعَزَّزُ بأجواء تخليد بلادنا للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، والذكرى السبعين لاستقلال المغرب.
وهو مَا يجعلنا نعيش لحظة تاريخية فارقة مُفعمة بانبثاق جديد للروح الوطنية التي تشكل مصدر قُوة الأمة المغربية المُوحدة، ومَنبعاً مُلهِماً للإرادة الجماعية للعمل والبناء والتشييد والإصلاح والتقدم، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
نَلتقي اليوم في المنتدى الجهوي، في سياق فعاليات مُنتديات الحكامة المرفقية التي أطلقتها مُؤسسة الوسيط، وخصصت دورتها الأولى لقطاع الصحة العمومية.
تُشكل هَذه المنتديات إحدى برامج الحوار العمومي التي اعتمدتها المؤسسة – على شاكلة برنامج إدارة المساواة- كفَضاءٍ للحوار والنقاش، وكخلفية لتغذية وظيفتها كقوة إقتراحية، وكإِطارٍ مُكرسٍ لمُهمة تنمية التواصل بين الإدارة والمُرتفق.
إلى جانب مهام مؤسسة الوسيط كهيئة متخصصة في النظر في تصرفات الإدارة المخالفة للقانون أو المنافية لمبادئ العدل والإنصاف عبر معالجة التظلمات المرفقية، والسعي نحو التوفيق بين الإدارة والمرتفق.
تتحمل مؤسسة الوسيط مسؤولية دستورية كاملة في إثراء النقاش العام باعتبارها أحد هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، التي يمنحها الدستور -بالإضافة إلى صلاحية الدفاع عن الحقوق الإدارية- مهمة الإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وتكريس قيم التخليق والشفافية في تدبير المرافق العمومية.
لذلك، نَجد في الباب الرابع من القانون المنظم لمؤسسة وسيط المملكة، فصلا خاصا عن دور الوسيط في ترسيخ مبادئ الحكامة الإدارية وتحسين أداء الإدارة، يُحدد الإطار العام لتدخلات المؤسسة بصفتها قوة اقتراحية تهدف للرفع من جودة الخدمات العمومية، وترسيخ قيم الشفافية والتخليق والحكامة، والتقيد بثقافة حقوق الإنسان ومبادئ العدل والإنصاف، وتعزيز تدابير الثقة وحسن النية وسيادة القانون في العلاقة بين الإدارة والمرتفق.
على أن الاختصاصات ذات الصلة بالقوة الاقتراحية، يمكنها أن تبرز في صيغة تقارير خاصة موجهة إلى رئيس الحكومة (المادة 42)؛ أو في شكل آراء بخصوص مشاريع قوانين ونصوص تنظيمية محالة من لدن رئيس الحكومة أو مشاريع ومقترحات قوانين محالة من لدن أحد رئيسي مجلسي البرلمان (المادة 43)؛
كما يمكنها أن تأخذ صيغة مذكِّرة إثارة انتباه موجهة إلى مرفق عمومي لم يراع في خدماته الإدارية مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بالنسبة لمرتفقين متوفرين على نفس الشروط المطلوبة (المادة 44)؛ أو أن تتجسد في صورة رأي بخصوص قضية محالة على المؤسسة من طرف الإدارة في شأن مشاريع أو برامج تعدها، أو مساطر إدارية تريد تبسيطها (المادة 45).
إن لحظة التقرير السنوي الذي يرفعه الوسيط إلى المقام السامي لجلالة الملك، تُشكل أيضا مناسبة مثالية لبيان ما يقترحه من تدابير لتحسين بنيات الاستقبال وتبسيط المساطر وتجويد أداء أجهزة الإدارة وترسيخ قيم الشفافية والحكامة والتخليق، وتصحيح الاختلالات (المادة 47).
كما يسمح النظام الداخلي للمؤسسة بالانخراط في كل المبادرات الرامية لدعم تحسين أداء الإدارة وإشاعة مبادئ الحكامة، والمساهمة في اللقاءات ذات الصلة، وتقاسم التجارب والممارسات الفُضلى مع مختلف المنظمات والهيئات المختصة، بالإضافة إلى إمكانية تنظيم استطلاعات رأي حول قياس رضى المرتفقين.
في هذا الإطار، يُمكن أن تدعو المؤسسة -وفقاً لنظامها الداخلي- مختلف الإدارات إلى وضع برامج سنوية للتواصل مع المرتفقين، تتضمن جميع التدابير التي تسمح بضمان تواصل فعال حول خدماتها وشروط الاستفادة منها.
كما يمكنها أن تضع، بتنسيق مع الإدارات المعنية، برنامجا للقاءات تواصلية تجمع الإدارات بمرتفقيها، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي أو الإقليمي.
على أن هذه القوة الاقتراحية تحتاج- وفقا للقانون 14.16- إلى منتديات وطنية وإقليمية أو دولية لإغناء الفكر والحوار حول قضايا الحكامة الجيدة وقضايا حقوق الإنسان في مجال تحديث المرافق العمومية، في نطاق سيادة القانون ومبادئ العدل والإنصاف (المادة 46).
السيدات والسادة،
إن التفكير في مُؤسسة الوسيط كفاعلٍ في ديمقراطية الحوار العمومي، يَدعو إلى الانتباه كذلك إلى الإطار المرجعي المُحدد لخلفية هذا الحوار.
وهُنا، لا يُمكن نِهائياً الالتفاف على فكرة الحكامة الجيدة كأرضية مِعيارية لتقييم المرافق العمومية.
لقد جعل الدستور المغربي -في تصديره- من المشاركة والحكامة الجيدة مرتكزاتٍ أساسية لاختيار المملكة المغربية في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون.
وذلك قبل أن يعود في فصله الأول ليجعل من الديمقراطية المواطنة والتشاركية ومبادئ الحكامة الجيدة، إحدى أُسس النظام الدستوري للمملكة.
لِيربط بعد ذلك، في بابه الثاني عشر، بين المبادئ العامة للحكامة الجيدة وبين الهيئات المستقلة المكلفة بها. لذلك، لا يمكن قراءة صلاحيات مؤسسة الوسيط كإحدى هذه الهيئات دون استحضار للمرجعيات التأسيسية لتنظيم المرافق العمومية.
حيث لا بد من الوقوف على أسُس ثلاثة هي: المساواة في الولوج إليها، والإنصاف في التغطية المجالية، والاستمرارية في أداء الخدمات.
ثم التذكير كذلك بمعايير ثلاثة تتمثل في الجودة، والشفافية ثم المسؤولية والمحاسبة.
على أن تخضع هذه المرافق في التسيير للمبادئ والقيم الديمقراطية، وأن يُمارس أعوانها وظائفهم وفقاً لمبادئ احترام القانون والحياد والنزاهة والمصلحة العامة، كما تبقى ملزمة بتلقي ملاحظات المرتفقين واقتراحاتهم وتظلماتهم مع تأمين تتبعها.
وإذا كان الدستور قد أحال على ميثاق للمرافق العمومية كنصٍ مَرجعي لقواعد الحكامة المتعلقة بتسيير الإدارات والجهات والجماعات والأجهزة العمومية، فإن هذا الميثاق سيصدر في صيغة قانون رقم
54.19 باعتباره إطاراً مرجعيا لقواعد الحكامة الجيدة، ينص على خضوع المرافق العمومية للمبادئ العشر التالية: احترام القانون، المساواة، الإنصاف، الاستمرارية، الملاءمة والتطوير المستمر، الجودة، الشفافية، ربط المسؤولية بالمحاسبة، النزاهة، الانفتاح والتواصل مع المرتفقين.
إن وظيفة تنمية الحوار العمومي، تبقى إحدى آليات تأمين المهمة الدستورية المنوطة بمؤسسة الوسيط، على صعيد الإسهام في ترسيخ سيادة القانون وإشاعة مَبادئ العدل والإنصاف، وقيم التخليق والشفافية في التدبير العمومي.
ولا شك أن هذه الوظيفة تلتقي مع التوجيهات الملكية السامية التي كثيراً ما عَبَّر عنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بما في ذلك خطابه الأخير بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية الحالية، عندما دعا جلالته إلى إعطاء عناية خاصة لتأطير المواطنين، والتعريف بالمبادرات التي تتخذها السلطات العمومية، لا سيما تلك التي تهم حقوقهم وحرياتهم، بصفة مباشرة.
ولَعل وظيفة تنمية الحوار العمومي تشكل كذلك أحد مَداخل إسهام مؤسسة الوسيط في تعزيز البناء الديمقراطي، على النحو الوارد في قانونها المنظم.
السيدات والسادة،
أتمنى لأشغال هذا المنتدى التوفيق والنجاح، مُعرباً في الأخير عن سعادتي بالحضور إلى جانبكم، وعن شكري وتقديري لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذه المُبادرة التواصلية والتفاعلية الخلاقة

مشاركة هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *