ليس أخطر على العمل السياسي من أن يتحول من مجال للتنافس البرامجي وخدمة الصالح العام إلى مسرح للفرجة، ومن فضاء للأخلاق والمسؤولية إلى سوق للتزكيات والمزايدات. وفي هذا السياق، تبرز حالة محمد أوزين بوصفها نموذجاً صارخاً لهذا الانزلاق المقلق.
من وزير ارتبط اسمه بفضائح لم تُمحَ من الذاكرة الجماعية، إلى أمين عام يمارس السياسة بمنطق “المؤثر” لا بمنطق رجل الدولة، اختار أوزين أن يعوّض ضعف المصداقية بكثرة الظهور، وأن يستبدل العمل الحزبي الجاد بخطاب استعراضي يهاجم الجميع، خصوصاً الصحافة، متناسياً أن الإعلام الحر ليس خصماً، بل شرطاً أساسياً لأي ديمقراطية حقيقية.
الأخطر ليس مجرد النقد، بل الطريقة. فبدل نقاش مهني أو اختلاف مشروع، يلجأ أوزين إلى أسلوب التشهير، مستهدفاً الصحافة والصحافيين بلغة الإيحاء والاتهام الجماعي، في ضربٍ مباشر لسمعة المهنة، وتحريضٍ مبطن ضدها. وهو سلوك أقرب إلى منطق “المُشَهِّرين” منه إلى منطق المسؤولين السياسيين، ويُسهم في خلق مناخ عدائي تجاه الصحافة، ويغذي خطاب الكراهية بدل تعزيز الحق في المعلومة.
أما على مستوى الممارسة الحزبية، فقد تحولت التزكيات، التي يفترض أن تكون آلية تنظيمية شفافة تقوم على الكفاءة والنزاهة، إلى أداة للولاء والانتقاء الضيق، بما يشبه “الفراقشية السياسية” التي تُوزَّع فيها الفرص لا على أساس الاستحقاق، بل على أساس القرب والاصطفاف. وهنا لا يعود الحزب مدرسة للديمقراطية، بل مجرد قناة لتدوير نفس الوجوه وإقصاء كل صوت مستقل أو ناقد.
وفي مفارقة فاضحة، يرفع أوزين شعار الأخلاق في السياسة، بينما يمارس خطاباً يمسّ بحرية الصحافة وكرامة العاملين بها، وهو تناقض لا يمكن تبريره لا سياسياً ولا أخلاقياً. فكيف لمن يُشهِّر ويُعمِّم الاتهام أن يدّعي الدفاع عن القيم أو عن الإصلاح؟
إن ما نعيشه اليوم ليس خلافاً سياسياً عادياً، بل أزمة نموذج: نموذج أمين عام يختزل الحزب في شخصه، ويختزل السياسة في فيديوهات، ويختزل الاختلاف في التشهير والتخوين. وهذا بالضبط ما يُفرغ العمل الحزبي من معناه، ويدفع المواطنين إلى مزيد من العزوف واللامبالاة.
السياسة ليست فرجة، والأحزاب ليست ضيعات خاصة، والصحافة ليست هدفاً للتشهير. ومن لا يستوعب هذه البديهيات، مهما علا صوته، يظل جزءاً من الأزمة لا من الحل


