ليلة سقوط صفقة الأزبال بمدينة تمارة…

كاتب الموقع

صحيفة بلوس / تمارة

لم تكن الدورة الاستثنائية التي عقدها مجلس جماعة تمارة مجرد محطة إجرائية عادية، بل تحولت إلى لحظة سياسية فارقة كشفت عمق التصدعات داخل الأغلبية المسيرة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول حكامة تدبير قطاع حيوي كالنظافة.

ففي مشهد غير متوقع، سقطت نقطة متعلقة بصفقة التدبير المفوض لقطاع الأزبال، بعدما صوت ضدها 32 مستشارًا، مقابل امتناع 5 أعضاء، في مؤشر واضح على غياب التوافق، بل ووجود رفض صريح لمضمون الصفقة أو للسياق الذي أُدرجت فيه. هذا السقوط لم يكن تقنيًا بقدر ما كان سياسيًا بامتياز، يعكس تآكل الثقة داخل المجلس، ويؤشر على تصدع التحالفات التي كانت تبدو، إلى وقت قريب، متماسكة.

الكواليس، كما جرت العادة في مثل هذه المحطات، كانت حبلى بالتحركات والاتصالات. فقد تحدثت مصادر متطابقة عن محاولات قادها رئيس المجلس، زهير زمزامي وعدد من مستشاريه المقربين ، حتى الساعات الأخيرة لليلة الدورة الحامسة ، من أجل حشد الدعم اللازم لتمرير الصفقة، غير أن تلك المساعي اصطدمت بجدار من التحفظات والاعتراضات، بعضها معلن يرتبط بمضامين العقد وشروطه، وبعضها الآخر غير معلن تغذيه حسابات سياسية وانتخابية دقيقة.

في العمق، لا يمكن فصل ما جرى عن الإشكالات البنيوية التي تطبع نظام التدبير المفوض بالمغرب، حيث تتحول صفقات النظافة في كثير من الأحيان إلى بؤر توتر سياسي، بسبب كلفتها المرتفعة، وتعقيد دفاتر تحملاتها، وضعف ثقة المنتخبين في قدرة الشركات المفوض لها على الوفاء بالتزاماتها. ويبدو أن حالة تمارة ليست استثناءً، بل امتداد لهذا السياق الوطني المأزوم.

غير أن اللافت في هذا الملف هو انزلاق النقاش، في بعض مستوياته، نحو معطيات لا تمت بصلة مباشرة إلى جوهر الصفقة، من قبيل التركيز على هوية مالك الشركة أو خلفياته، وربط ذلك بتوازنات إقليمية ودولية. مثل هذا الطرح، وإن كان يعكس حجم التوتر والارتياب، فإنه يبتعد عن النقاش الرصين الذي يفترض أن يُبنى على معايير الشفافية والكفاءة والقدرة على تقديم خدمة عمومية ذات جودة.

إن ما تحتاجه تمارة اليوم ليس فقط إسقاط صفقة، بل بناء رؤية واضحة ومستقرة لتدبير قطاع النظافة، تقوم على المنافسة الشفافة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتغليب مصلحة الساكنة على حسابات التموقع السياسي. فالمواطن لا يعنيه من يدبر القطاع بقدر ما يعنيه أن تكون شوارع المدينة نظيفة، والخدمة منتظمة، والمال العام مصروفًا بكفاءة.

ليلة سقوط صفقة الأزبال بمدينة تمارة ، ليست نهاية المطاف، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة، عنوانها إعادة ترتيب الأوراق داخل المجلس، وفتح نقاش حقيقي حول النموذج الأمثل لتدبير واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين. ويبقى السؤال معلقًا: هل سيتحول هذا السقوط إلى فرصة للإصلاح، أم مجرد حلقة أخرى في مسلسل التجاذبات السياسية؟

مشاركة هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *