بقلم: هشام حنوز
تقوم السياسة في أصلها على التنافس حول الأفكار والبرامج والرؤى التي يفترض أن تخدم الصالح العام، غير أن الواقع أحياناً يكشف عن انزياح هذا المعنى، حين تتحول السياسة إلى مجال تتحكم فيه الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة، بدل القناعات والمبادئ.
ومن بين أبرز المظاهر في هذا السياق، ارتباط بعض المواقف السياسية بما يُجنى من مصالح أكثر مما يرتبط بما يُؤمن به من أفكار. فحين تكون الامتيازات قائمة، يستمر الدعم والتأييد، لكن ما إن تتغير الشروط أو تتراجع تلك المصالح حتى يتغير الخطاب بشكل لافت، فيتحول من التأييد إلى النقد الحاد، ليس دائماً بناءً على تقييم موضوعي، وإنما أحياناً بسبب فقدان موقع أو امتياز كان قائماً. وهنا يصبح الموقف أقرب إلى رد فعل ظرفي منه إلى قناعة راسخة.
وتزداد هذه الصورة وضوحاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح النقد السياسي عند البعض لا يخلو من خلفيات شخصية. فبدل النقاش حول البرامج والاختيارات، يتم التركيز على الأشخاص، وتضخيم الأخطاء، وتجاهل ممارسات مشابهة عندما تصدر عن أطراف أخرى. وفي المقابل، يظهر نوع من التبرير أو الانحياز غير الموضوعي، تحكمه المصلحة أو الاصطفاف أكثر مما تحكمه القناعة.
وتعكس هذه السلوكيات ضعفاً في الثقافة السياسية، حيث يُختزل العمل السياسي في علاقات ومنافع، بدل أن يُفهم كفضاء للتأطير والترافع حول قضايا المجتمع. وهذا ما يساهم في إضعاف الثقة، لأن المواطن يجد نفسه أمام مواقف متبدلة، يصعب فيها التمييز بين النقد المسؤول والنقد الذي تحركه الحسابات الشخصية.
ولا تقتصر آثار هذا الوضع على الفاعلين السياسيين فقط، بل تمتد إلى المجتمع، حيث تتشكل صورة مضطربة عن السياسة، خصوصاً لدى الشباب، الذين قد ينظرون إليها كمجال للصراع والمصالح، أكثر من كونها أداة لخدمة الصالح العام، وهو ما ينعكس على مستوى الثقة والمشاركة، إذ إن هذا التداخل بين القناعة والمصلحة يجعل المتلقي في حالة ارتباك دائم أمام المواقف السياسية، فلا يعود قادراً على التمييز بين النقد الصادق والتوظيف الظرفي، فتضعف الثقة تدريجياً في الخطاب السياسي وفي جدوى الانخراط في الشأن العام.
ويجب التأكيد أن هذا التحليل لا يتعلق بالعمل السياسي في عمومه، بل يخص بعض تجليات اللعبة السياسية وما قد يعتريها من سلوكات ظرفية ومصلحية.


